القرطبي

30

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وما ذاك ؟ قال : سمعت الله عز وجل يقول : " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئا . فقال ابن مسعود : ليس ذلك بالشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن ، إنما الشح الذي ذكره الله تعالى في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلما ، ولكن ذلك البخل ، وبئس الشئ البخل . ففرق رضي الله عنه بين الشح والبخل . وقال طاوس : البخل أن يبخل الانسان بما في يده ، والشح أن يشح بما في أيدي الناس ، يحب أن يكون له ما في أيديهم بالحل والحرام ، لا يقنع . ابن جبير : الشح منع الزكاة وادخار الحرام . ابن عيينة : الشح الظلم . الليث : ترك الفرائض وانتهاك المحارم . ابن عباس : من اتبع هواه ولم يقبل الايمان فذلك الشحيح . ابن زيد : من لم يأخذ شيئا لشئ نهاه الله عنه ، ولم يدعه الشح على أن يمنع شيئا من شئ أمره الله به ، فقد وقاه الله شح نفسه . وقال أنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( برئ من الشح من أدى الزكاة وقرى الضيف وأعطى في النائبة ) . وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ( اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها ووساوسها ) . وقال أبو الهياج الأسدي : رأيت رجلا في الطواف يدعو : اللهم قني شح نفسي . لا يزيد على ذلك شيئا ، فقلت له ؟ فقال : إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل . فإذا الرجل عبد الرحمن ابن عوف . قلت : يدل على هذا قول صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ) . وقد بيناه في آخر " آل عمران " ( 1 ) . وقال كسرى لأصحابه : أي شئ أضر بابن آدم ؟ قالوا : الفقر . فقال كسرى : الشح أضر من الفقر ، لان الفقير إذا وجد شبع ، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبدا .

--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 293 .